11 أيلول مرَّة أخرى
"في المِحَنْ مِنَحْ" هذا المثل الدارج في المنطقة العربية ربما كانَ من المناسب الاستشهاد به على تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول؛ فغالباً ما تنصبّ الاهتمامات على التداعيات السياسية والعسكرية على المنطقة العربية والخليجية بشكلٍ خاص، وهي تداعيات سلبية ضخمة بلا شك ومؤثرة، وانكسار تاريخي في العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب المستعمر.
لكن الجانب الآخر من هذه التداعيات كان ثقافياً، وهوَ يوازيْ حجم الزلزال الذي تخرجُ منهُ الأرض بصورةٍ جديدة، ولكن هذه الصورة ليست بالضرورة سلبية؛ فقد يكون ما أخرجتهُ هذه الزلازل من مكنوزٍ ثقافي يحملُ في ذاته مصل المقاومة الفكرية الذي يُنتج ويُجدد في خطاب المشروع الإسلامي. هذا الخطاب الذي كان بحاجة ماسة لذلك الزلزال وهو أمرٌ يُدركه المتابع لثقافة الوعي الإسلامي في الخليج عموماً والسلفي منه خصوصاً.
إنَّ المسؤولية التي تعاظمتْ في العقدين الأخيرين على حملة الخطاب الإسلامي بأن يُقدموا مشروعاً أو أساساً فكرياً على الأقل لما يدعونَ الوطن العربي لتبنيه في مقابل المشاريع الأخرى التي استيقظَ الضمير العربي على أنها حصادٌ هشيم كانت في حاجة لهذه الهزّة العنيفة.
وإن أول ركنٍ أساس للإعداد لهذا المشروع الإسلامي هو أن يتعرض لحالة واسعة من النقد والتحقيق والتدقيق حتى يُبنى هذا التصور في ضوء النهار، وفي حيوية راشدة تُؤمن بأن عصمة الرسالة وفلسفتها الإنقاذية الحتمية لا تستثني حملتها من ضرورة الصراع الإنساني فكراً وسياسةً لتبليغ هذا المشروع، وهو ما يجعلنا نُعيدَ الموقف من مسيرة الصحوة الإسلامية خارج إطار التطرف من الجانبين: الجانب المقدِّس لمسيرتها الرافض لنقدها، والجانب الآخر الرافض لها والدامغ لها بأنها حالة اضطراب وتخلُّف أو قصور شامل، واعتبار ذلك حُكماً نهائياً غيرَ قابل للاستئناف.
والموقف الحقيقي بأن أي مشروعٍ مبشر لنهضة أي أمة لابدَّ لهُ من أن يمر في مراحل أولى، ثمَّ يتطوّر في سياقاته النهائية، والذي نجزمُ به أن خطاب البديل الإسلامي عانى منذ بداية انطلاقته من حربٍ وجودية شاملة شُنّت عليه من أطرافٍ عدة، كانت تستهدف استئصال شأفته والقضاء عليه، أما الآن فلا عُذر لمسيرة التصحيح نحوَ مضامين الفكر الإسلامي الخالدة، القائمة على العدالة في الأرض لتبليغ رسالة الإسلام، وهذه العدالة ذاتُ شقين: ذاتي أي عدالةٌ مع نفسها، وخارجي لانتزاع الحقّ بإقامة العدالة مع الآخرين المغتصبين، والظن بأن هذا الآخر يمنحُ العدالة طوعياً وهمٌ ساذج إنما يُرددهُ من يجهلُ حركة التاريخ الإنساني وقيام الدول المعاصرة، وأن الاستسلام لهذا الخارجي حتى ولو سجدَ لهُ الشرقيّ العربيّ لن يمنحهُ أي فرصة لاستعادة شيءٍ من حقوقه المسروقة عندَ هذا الغرب.
انكسارُ الحالة الفكرية منذ حربِ الخليج الثانية
بدْء التفكير السياسي والثقافي الجاد لدى التيار السلفي في الخليج تزامنَ مع حرب الولايات المتحدة على العراق عام1991؛ إذ شكّلت تلك الأجواء الغريبة من الوجود العسكري الضخم والمواقف السياسية المتصادمة واضطراب الموقف الإسلامي من هذه الحرب حافزاً مؤثراً لبروز أسئلة ضخمة لدى هذا التيار الواسع الانتشار والمؤثر في الشارع العربي الخليجي، وإن كانت هذه الأسئلة تشمل الطرفين: أي الفكر الإخواني والسلفي، لكنّ حالة الإخوان كانتْ مختلفة بسبب أن الخطاب السياسي موجودٌ في ثقافة الإخوان قديماً.
ثانياً: أن الإخوان كتيارٍ فكري كان يعيش موسماً خريفياً لحالته الفكرية والشعبية أدت إلى تراجعه في عدة مسارات لأسبابٍ عدة، منها: الانغلاق التام للحالة الحزبية التنظيمية ومساوئها في تطوير الخطاب وسعة الفكر واستيعاب المبدعين، والضمور الفكري الذي شهدتهُ هذه المدرسة في الخليج، بناءً على ما تقدّم وإضافة لعدم قدرتهم على الصمود أمام هجوم المدرسة السلفية المحافظة والتي تتبنى خطاب التطهير الطائفي في الوسط السني، إضافةً إلى الخلل الإداري الداخلي القائم بسبب سيطرة شخصيات مُحددة على قرار وتفكير المدرسة، ثم تراجعها، مما يُؤدي إلى انهيار الانتماء الفكري وتحوله تماماً من خطاب مدرسة الإخوان الواضح المعالم والقادر على التجديد إلى مجموعة عوائل أو أفراد في محيطٍ اجتماعيٍّ ضيّق، وتُنسب هذه المجموعات إلى فكر الإخوان، ولذا من الصعب ونحنُ نُحدد هذه العوامل أن نقطع بأن هذه المجموعة أو تلك الشخصية من الممكن أن يُحاسب فكر المدرسة الإخوانية عليها.
ما تقدّم يُوضح لنا مسألة مهمة من خلو الساحة لدى التيار السلفي للصعود، و تراجع المدرسة الفكرية المقابلة له قبلَ حالة التحول الكبير التي تمخضتْ عن ميلاد الوعي السلفي التقدمي.
الانشطار السلفي
هذا التاريخ الفكري للتيار السلفي يُوضح بأن انطلاقة حركة الوعي التقدمي من صفوفه كانَ في أوجِ قوته وعنفوانه، خاصة مع الدعم الضخم الذي تلقتهُ المدرسة السلفية المحافظة من حكومات الخليج حيثُ كانَ سائداً، بأن هذه المدرسة ليس لها اهتمامٌ بالإصلاح السياسي القائم على صد النفوذ الأجنبي خارجياً أو تحقيق حقوق المواطنة الفردية داخلياً، وذلك قبلَ انطلاق تيار الوعي السلفي التقدمي من صفوف مناضليْ المدرسة السلفية المحافظة، لذا شكل الخطاب الذي تبنته حركة الوعي التقدمي لدى السلفيين حالة انشطار في الأوساط السلفية ومعارضة شديدة من المدرسة المحافظة، ومع ذلك انطلقتْ هذه الحركة على ثلاثة محاور رئيسة:
الأول:الفقه الدستوري الإسلامي بجانبيه: حقوق المواطنة السياسية وحرية الانتخاب، وتحديد مسارات الحكم شعبياً بأطرٍ مدنية ذات تأصيل إسلامي واضح، والجانب الآخر الدعوة إلى تفعيل سيادة الأمة في مواجهة النفوذ أو الهيمنة الأجنبية المطلقة.
الثاني:الحزم في مواجهة مشاريع الأجنبي، ورفع الصوت بلا تردد في دعم المقاومة.
الثالث:فتح إطارات التجديد الثقافية والميدانية للحياة الإسلامية بما فيها المرأة، ولكنْ في موقفٍ مختلف كلياً عن الطرح العقلاني المنهزم أو المندفع نحو حركة التغريب الدولية، وإعادة هذا التجديد إلى أصوله الشرعية الواضحة.
وعلى الرغم من قصر المدة الزمنية التي بدأ فيها هذا الخطاب يعلو ويتبلور، ومن ثمَّ يتشكل في شخصيات ومواقع إعلامية تتبنى هذا التوجه، إلاّ أنه نجحَ بصورةٍ مذهلة في إيصال هذا الخطاب إلى الساحة الإسلامية بل والثقافية والرأي العام في الوطن العربي، ولا تزال حركة تصاعده على هذه الساحات واضحة لكل مراقب.
تساؤلات عن أسباب التفوق
ولعله من المشروع بل ومن المهم أن نتساءل: لماذا استطاعَ هذا التيار السلفي الثبات على الأرض، بينما لم يستطع شقيقه الإصلاحي في المدرسة الإخوانية.
وحتى أكون دقيقاً فلا يُمكن الجزم بشكلٍ نهائي بهذه الأسباب لكن استعراض الظواهر ومواقف الدعوات التنظيمية من شخصياتٍ برزتْ في هذا الخطاب ربما يُعطيْ مؤشراً لأحد هذه الأسباب، فمن ذلك الحرب الداخلية العنيفة التي يشنها التنظيم في الحالة الإخوانية على النابغين أو المجددين في ساحتهم الفكرية، وهو أنموذج موجودٌ في مصر في المدرسة الأم تمثّلَ في الهجوم العنيف الذي واجهه الشيخ القرضاوي والغزالي قديماً، وحديثاً أبو العلا ماضي، ومجموعة حزب الوسط، وهو هنا في الخليج تكرر مع شخصيات أمثال الدكتور عبد الله النفيسي والدكتور جاسم السلطان، و الشيخ حمد الصليفيح، والشيخ موسى القرني. . وغيرهم حيثُ يعمد التنظيم إلى اغتيال الشخصية المعنوية لهذا المفكر أو المبدع ومحاصرته وتضييق الخناق عليه وتسخير كل منابره أو وسائله لهذا الهدف، وهذا مرتبطٌ بإشكالية رئيسة في نظرة التنظيم لذاته وقصور فكرته في إدراك أنَّ العطاء للمشروع الإسلامي لا ينطلق من التنظيم بالضرورة، بل على العكس قد يصدر من أي جهة أو شخص، ولذا فالواجب الإسلامي التعاون والتواصل والدعم، وعلى كل حال فقضية دور التنظيم في خدمة المشروع الإسلامي أو إعاقته في هذه المرحلة التي تجاوزت فيها الحركة الإسلامية مرحلة الصحوة قضيةٌ كبرى ليسَ هذا ميدانها.
والقضية الأخرى التي تسببت في نزوع الشارع الإسلامي عن موقف الحركيين هو اضطراب موقفهم من الوجود الأجنبي أو تبني الوعي السياسي الحقوقي، وقد أضر موقف قيادة الحزب الإسلامي العراقي بمشاركته في مجلس بول بريمر وما أعقبه كثيراً في سمعة الإخوان، وإن كانت الحقيقة بأن مناضلي الدعوة والكثير من قياداتهم كانوا متعاطفين مع قوى المقاومة الإسلامية الوطنية، لكن بقي الموقف الرسمي العائم للإخوان مؤثراً على الشارع الإسلامي.
كل ذلك عزز صدى مواقف تيار الوعي التقدمي السلفي في الشارع الوطني العام؛ لحسمه في هذه القضايا، وفي خطابه الفكري التصاعدي في تبني المواقف الحيوية التي تعني الأمة والمجتمع، والذي تمثّلَ في أطروحات حزب الأمة الكويتي والحركة السلفية العلمية كجهات عامة، وبعض الأسماء الفردية التي برزت بعد أحداث 11/ أيلول بصفة شرعية أو فكرية، ولو أضفنا لها بعض التجارب الشخصية المتمثلة بالحياة الفكرية لشخصيات تمثل فلكاً مهما في هذا الاتجاه، فقد تضمنت الكثير منها تنظيراً فكرياً واسعاً ومتقدماً ترتَّب على ذلك تقديمها لتضحيات كبيرة ،و على الرغم من بعض التحوّلات في الاهتمامات ونقاط التركيز إلاّ أن المسار السياسي وأطروحاته لا يُمكن أن تُعزل عن دورها في تجديد الخطاب السلفي.
بل إن شخصيات إصلاحية وطنية كبيــرة رهنتْ عطاءها ورؤيتها مؤخراً إلى المدرسة السلفية التي ينتمي لها إقليمها الجغرافي، وذلك في تنظيراتها الفكرية الأخيرة.
فهل كانت أسباب تفوّق هذا الخطاب وحضوره أن المجتمع السلفي كانَ أقلَّ معارضة لأطروحات مبدعيه معَ الإقرار بوجود حالات مشابهه لما حصلَ في الحالة الإخوانية، إلا أن أولئك المبدعين المفكرين من منظري الوعي التقدمي السلفي تهيأت لهم أجواء ومساحات من التضامن والتبنــِّي في قاعدتهم الدعوية شكلتْ بحدّ ذاتها طاقة للانطلاقْ بهذا الخطاب.
في كل الأحوال فإن الخليج بالفعل يعيشُ حالةً تاريخية لهذا المنجز الثقافي الفكري، ولكن ذلك لا يُلغيْ أهمية الأسئلة التي يطرحها الوعي الإسلامي والقومي والوطني في الخليج أمامَ تيار الوعي التقدمي السلفي، ومن أهمها قدرة هذا التيار على تحويلِ هذا الفكر النخبوي إلى ثقافة جماهيرية، ولو في الوسط الإسلامي المتعلِّم، والانتقال بهذا الفكر إلى صيغ مشاريع تنموية حقيقية يفيدُ منها المواطن بكلّ انتماءاته المذهبية والفكرية، وهناك إشكالية تاريخية أمامَ هذا التيار من موقفه مما تطرحهُ المدرسة السلفية المحافظة في موقفها من مدارس أهل السنة والجماعة الأخرى؛ إذ كانتْ تتبنَّى طوالَ العقود الماضية مفهوم التطهير الطائفي في الوسط السني، وسيطرة أجواء المعارك مع المدارس السنية الأخرى على أكثرَ من 50% من خطاب الوعي العام والوعظ والعقائد الذي تبنته هذه المدرسة، وكانت أولوية هذه المعركة مُقدّمة على كل المعارك، سواء ذات الإصلاح الوطنيْ أو المواجهة الأممية للمستعمر الخارجي عسكرياً وسياسياً، فكيفَ سيعالج تيار الوعي التقدمي هذه المعضلة التاريخية أو يُحيّدها على الأقل، وهل سيحقق ثقافة التعاون والتكامل معَ الجميع والتيْ فشلَ فيها الآخرون؟ ربما تكون هذه الأسئلة مبكرة لتيارٍ ناهضٍ واعد لكنْ حجم الأحداث التي يمورُ بها الخليج وأمل الشعب العربي في أرجائه يجعلُ المسؤولية تتزايد أمامَ هذه النخبة الراشدة.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية