
بقلم :محمد الشماغ
mo_ shamaa@yahoo.com
قريبا من السياسة
الصحراء الغربية.. الانطلاقة الثالثة نحو المستقبل
قضيتان علي نفس المستوي من الأهمية ومترابطتان طرحهما المؤتمر العام الرابع للحزب الوطني الأسبوع الماضي، هما قضيتا التخطيط العمراني والطاقة النووية كمصدر جديد للطاقة.
القضية الأولي، قضية التخطيط العمراني أصبحت ملحة وتمثل استجابة لنبض الشارع ولضرورات الواقع التي تجاهلناها طويلا بوهم الحفاظ علي الرقعة الزراعية، بينما كانت أعداد السكان تتزايد والحاجة إلي مساكن جديدة تتضاعف، حتي أصبح الصراع بين المواطن والإدارة المحلية خاصة في القري يستهلك جهد الطرفين دون أن تتحقق أي حماية للأرض الزراعية، بينما الذي تحقق حتي الآن كان المزيد من الإهدار للثروة القومية بسبب عمليات الهدم لمساكن يتم بناؤها دون ترخيص علي الأرض التي لا يمكن إعادة تأهيلها مرة أخري، بل تترك لفرصة أخري للتحايل وبناء المهدوم من جديد!.
ولا شك أن خطة الأحوزة والكردونات العمرانية الجديدة للقري ستلقي رضا المواطنين، وهي خطوة سياسية جبارة يتجه بها الحزب إلي سياسة التراضي المتبادل بين المواطن والإدارة، ولا شك أن التخطيط الجديد وإعادة تأهيل القري وتحسين شوارعها وخدماتها سيساهم في الحد من ظاهرة تبوير الأراضي الجديدة لتحقيق الاستفادة الكبري من قلب القرية، حيث كانت العشوائية وضيق الحارات القديمة داخلها أحد أسباب الهروب الدائم إلي خارج كردون القرية.
هذه الثورة التنظيمية يجب أن يرافقها تحسين في الخدمات لسد الفجوة الحضارية بين القري والمدن الصغيرة من جهة، وبين القاهرة من جهة أخري، وعندما يتحقق هذا سوف تحل تلقائيا مشكلات الطرفين، حيث يتشجع الناس علي الإقامة في أماكنهم الأصلية بدلا من أستمرار الهجرة إلي القاهرة بكل ما يتبع ذلك من تصدير لمشكلات التلوث واختناق المرور في العاصمة، مع الحفاظ علي الأرض الزراعية.
القضية الثانية التي لا تقل أهمية عن هذه القضية هي قضية إحياء المشروع النووي المصري واستخداماته السلمية لإنتاج طاقة بديلة، حفاظا علي الاحتياطي المصري من الطاقة الناضبة من الغاز الطبيعي والبترول والفحم. ويمكن أن تساهم الطاقة النووية إضافة إلي طاقة الرياح والشمس التي بدأتها مصر بنجاح مبشر في تلبية الطلب المتنامي علي الطاقة عاما بعد عام، سواء في الاستخدام المنزلي أو في احتياجات الاستثمار والتوسع الصناعي والمرافق والخدمات.
ونستطيع أن نقول اليوم إن مصر أصبحت تدار بأسلوب علمي يحترم الأرقام، ويستعد لمستقبل لا تفاجئنا فيه الأزمات والاختناقات كما كان يحدث دائما.
وتقول الأرقام التي تضمنتها ورقة مستقبل الطاقة في مؤتمر الحزب إن قطاع الكهرباء يستحوذ علي 1،38 % من إجمالي الوقود المنتج في 2004/2005، حيث تعتمد مصر علي محطات الطاقة الحرارية لتوليد الكهرباء بنسبة 5،87 % . وهو ما يفرض تدعيم المصادر البديلة القائمة، المائية والرياح والشمسية إلي جانب الاتجاه إلي إنشاء محطات نووية، وهي الخطة التي كانت من بين الأشياء التي لاقت استحسانا من المشاركين في المؤتمر، وكان صداها كبيرا في الشارع المصري الذي يطمح إلي دخول مصر نادي الطاقة النووية، بكل ما تمثله هذه الخطوة من فوائد اقتصادية ومعنوية.. لأن هذه المحطات إلي جانب مساهمتها المتوقعة في انتاج الطاقة تتيح مجالا صناعيا جديدا وتدريبيا علي التعامل مع التكنولوجيا النووية التي تعتمد عليها الدول المتقدمة في مجالات أخري كثيرة.
ولا تزعم ورقة الحزب الوطني أن طريق المحطات الكهربائية النووية سيكون مفروشا بالورود، أو أنه الأقل تكلفة.. بل تضع الأرقام الحقيقية للتكلفة في نوع من الشفافية المطلوبة عند اتخاذ أي قرار. وبالأرقام فإن إنشاء محطة للطاقة النووية تتراوح تكلفتها بين 1300 2000 مليون دولار، طبقا للخبرة المستخدمة في الإنشاء إذا ما كانت شرقية من الصين والهند أو غربية من إحدي الدول الأوربية أو أمريكا، وهي تكلفة تزيد علي تكلفة إنشاء محطة لإنتاج نفس الطاقة من البترول أو الغاز، حيث تتكلف هذه الأخيرة 1100 مليون دولار، وعندما نضع في اعتبارنا أن تكلفة التشغيل بعد الإنشاء للمحطة النووية أقل من تكلفة محطات البترول والغاز، تكون النتيجة لصالح المحطة النووية، وإذا أضفنا إلي ذلك إمكانية تقليل تكلفة الإنشاء في المستقبل ووجود الكوادر المصرية، تكون النتيجة بلا شك في صالح المحطات النووية.
قرار استخدام البديل النووي كان بقدر ما كان له فرحة داخلية في الأوساط العلمية والاقتصادية، كان أيضا له ترحاب كبير في الشارع، وعلي خلاف ذلك فإن القرار قوبل بالقلق خارجيا.
وكان الرد المصري قويا.. وإسرائيل حاولت أيضا أن تثير العقبات والعراقيل كلما بدأت مصر التطويع السلمي للطاقة النووية.. ومعلنة عن مخاوفها وقلقها من البرنامج المصري، رغم أن مصر موقعة علي اتفاقية التفتيش ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، كل ذلك بالرغم من أن إسرائيل التي تجاورنا جغرافيا تمتلك أسلحة وتكنولوجيا نووية متقدمة، ولكنها لا تخضع للتفتيش ولم توقع علي معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية!
رغم محاولات إسرائيل منع مصر من امتلاك التكنولوجيا النووية، فإن مصر استطاعت توقيع اتفاقيات تعاون نووي مازالت سارية مع كل من أمريكا وكندا وفرنسا، وهي دول تمتلك أعلي مستوي تكنولوجي نووي، ومصر تمتلك من البنية الأساسية الكاملة التي تمكنها من البدء فورا في الإجراءات اللازمة لإنشاء أول محطة نووية لتوليد الكهرباء.. فالخبراء الدوليون المصريون في هذا المجال مشهود لهم بالكفاءة علي مستوي العالم في المراكز البحثية المتقدمة، وهناك خبرات أخري أكتسبت من المفاعل البحثي الموجود في مصر بقدرة 22 ميجاوات.
إن تأجيل البرنامج النووي المصري كان بسبب كارثة تشرنوبل عام 86، لكن بعد أن تطورت وسائل الأمان النووي إلي درجة عالية جدا، واطمأن العالم أجمع، ومع الارتفاع المستمر لأسعار البترول وانخفاض تكلفة إنتاج الكيلوات/ساعة من الكهرباء المنتجة من المحطات النووية بالمقارنة للمصادر التقليدية، إلي جانب أن دخول عالم الطاقة النووية سوف يحدث طفرة تكنولوجية كبيرة جدا في جميع مجالات المجتمع. كل ذلك كان سببا في اللجوء إلي البديل النووي لإنتاج الكهرباء.
ولكن ما هو وجه الارتباط بين التخطيط العمراني وبين استخدام الطاقة النووية الذي بدأنا به هذا المقال؟
إن التوجه العمراني الجديد خطوة مهمة ولها أبعادها الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، ولكنها خطوة لاتزال محكومة بظروف الواقع الحالي، حيث يتكدس السكان في الدلتا وشريط النيل الضيق في الصعيد.
وطرح هذا الطموح النووي يجعلنا نفكر في قفزة جديدة وحقيقية لاستغلال ما يمكن استغلاله من الصحراء المصرية في مشروعات ومجتمعات عمرانية جديدة لا تلتصق بالقاهرة ولا بالدلتا والوادي، إنما تكون مجتمعات إنتاجية مستقلة، تنطلق من الصحراء إلي البحر.
وقد آن الأوان للاهتمام بالجانب الغربي من مصر، لقد تحققت في العقدين الأخيرين انطلاقة لتعمير سيناء والساحل الشرقي علي البحر الأحمر، مما خلق مجتمعا سياحيا يستوعب الآن أكثر من نصف حركة السياحة إلي مصر.
آن الأوان لكي نفكر في الاستغلال الأمثل للصحراء الغربية لتكون مع الصحراء الشرقية بمثابة جناحين تحلق بهما مصر نحو المستقبل، وتحل المشكلات المزمنة للوادي، وتخفف الضغط عليه بتقليل التلوث والحد من تآكل الرقعة الزراعية.
ونحن لا ننطلق من فراغ في هذه القضية، فقد سبق أن أجريت دراسات مستفيضة لإنشاء أول محطة توليد كهرباء نووية في منطقة الضبعة بمحافظة مطروح، وأكدت الدراسات ملاءمة المكان لإقامة المشروع من النواحي الجيولوجية والجغرافية والبيئية ومصادر المياه وسهولة ربط المحطة بالشبكة الكهربائية الموحدة، إضافة إلي وهذا هو الأهم إقامة مجتمعات صناعية وتعدينية تخلق كثافة بشرية مستقلة عن الوادي.
إن الاتجاه إلي إنشاء المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء يمكن أن يكون الفرصة المناسبة لتعمير الصحراء الغربية الذي ظل حلما صعب التنفيذ، لن تحل مشكلاتنا بدونه.









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية