|
" " |
كان للمواجهة بين القاعدة من جهة والأنظمة العربية والولايات المتحدة من جهة أخرى دور كبير في إيجاد تحولات داخل التيارات السلفية كما اتضح سابقا، لكن يمكننا تبين ذلك جليا في اقتراب بعض المشايخ السلفيين الذين عرف عنهم وقوفهم ضد العلاقة بين الأنظمة العربية والولايات المتحدة، ولعل أبرزهم الشيخ سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي والشيخ محمد سرور زين العابدين.
السلفيون الجدد
حيث تدخل الشيخان الأولان وسواهما في إيجاد جو أهدأ بين السلفيين الثائرين ضد الأنظمة وعملا -وخاصة الشيخ سفر الحوالي بحكم تواجده في الحجاز- منطقة استقطاب للشباب المتحمس، حيث قام الحوالي بجهود ضخمة من أجل تقريب رموز الشباب السلفي مع النظام السعودي، بل قام بجولات متكررة أثمرت عن تسليم البعض نفسه للنظام بعد أن كان مطلوبا ضمن قائمة أنصار القاعدة في السعودية.
في الجانب الآخر تحرك الشيخ سلمان العودة في عقر السلفية نجد، وقدم تنظيرا مقربا للجماعات السلفية مع مفاهيم كانوا يرفضونها مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والانفتاح على الآخر.
ولعل تجربة الحركات الإسلامية في مناطق عديدة من العالم وخاصة في تركيا والمغرب جعلت من العودة يقدم تبريرا لدخول الإسلاميين في العمليات السياسية المرتكزة على مفاهيم غربية كالديمقراطية وغيرها، والتي كانت ترفض منه ومن غيره من المشايخ، فقبل بالمشاركة في الانتخابات والدخول في أحلاف سياسية مع غير اسلاميين مستلهما من دخول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في جوار أبي طالب، ثم في جوار المطعم بن عدي، وكذلك أبو بكر دخل في جوار ابن الدغنة.
وبالتالي استعمل العودة ذلك كدليل إباحة وأنه من باب تقليل المفاسد، أو جلب بعض المصالح، أو حصول الإنسان على بعض حقه.
وبعد أن كان العودة مناهضا سلفيا قويا للنظام إذا به يعترف للنظام بأشياء كان ينكرها عليه، بل إنه بعد أن انتقد النظام السعودي وإعلامه المحلي غير الإسلامي أصبح يشارك في قنوات تلفزيونية سعودية في الخارج، يرى كثير من السلفيين عدم إسلاميتها.
التحول الكبير لدى العودة ونحن هنا نتخذه مثالا سلفيا متحولا يدل على تعاظم تيار قوي داخل السلفيين يدعو للمهادنة والتدرج في المواجهة واستعمال الأدوات الحديثة للوصول إلى موقع التأثير، وليس هضم الديمقراطية وأدواتها والانفتاح الإعلامي سوى شيء دال على التحول.
لكن المعضلة التي تواجه التيارات السلفية المتحولة والتي تقوى يوما بعد الآخر مستفيدة من الدعم الحكومي والتقبل الشعبي الذي يشهد تغيرا في المزاج الرافض سابقا للانفتاح على الثقافات الأخرى، هي كيفية صياغة تغير اجتماعي وتقبل أنصاره لها.
ويبدو أن الأمر سيحتاج إلى مراجعات كثيرة وإلى قدرة كبيرة لدى رموز السلفية ابتداء من الشيوخ الرسميين وحتى الشيوخ الشباب.
ويمكن لنا رؤية وسماع جولات من الصراع بين السلفيين القدامى والجدد، الأوائل مسلحون بالتاريخ، والجدد مملؤون بروح التغيير والتجديد.
السلطة.. اللعب على التناقضات
لم ينقص الأنظمة العربية القدرة على التعامل مع التيارات السلفية المختلفة فاستفادت من بعضهم وواجهت البعض الآخر وتلاعبت بالبعض المهادن ضد الآخر المواجه.
تعمد السلطات العربية إلى دراسة قوة التيارات التي تواجهها خاصة التيارات الإسلامية والسلفية منها على وجه الخصوص.
ورغم أن عمليات القاعدة قد هزت أمن هذه الدول من المحيط إلى الخليج إلا أنها قوت من مناعتها السياسية، فالقاعدة قدمت لها فرصا تاريخية في وقت فيه مشروعيتها تهتز، فقد ازدادت هذه الدول قوة بأن تمكنت من إشغال أصفادها داخل التيارات السلفية تحت شعار مكافحة الإرهاب، وفرزت من تريد مجللة بقبول شعبي يخشى من الانهيار الأمني وتسلط ثلة متشددة على مجموع مستكين.
درست الأنظمة العربية التيارات السلفية جيدا فضربت من عاداها مستفيدة من قبول شعبي واستفادت من رموز سلفية أما بالترغيب المستقبلي أو بالتبرئة من التاريخ المواجه.
بينما انزوت قيادات سلفية أخرى إلى الظل بعدما كانت تثير ضجيجا ثوريا في الساحة السلفية، ويمكن دراسة حالة الشيخ محمد سرور زين العابدين كمثال جيد لحالة الانزواء، فقد كان وراء تشجيع وصياغة مفاهيم تيار الصحوة في بداية الثمانينيات، لكنه الآن يعيش في هدوء في الأردن.
لقد تقلصت التيارات السلفية المواجهة للأنظمة وانحصرت المواجهة في التيار السلفي الجهادي العملي واعتذرت تيارات سلفية عن القيام ضد السلطات متخذة شعار لا صوت يعلو على صوت الاستقرار، مذكرة بأن ما يحصل في العراق دليل يمكن لأي مثير مواجهة اتخاذه أنموذجا على الكيفية التي يمكن أن تستفيد بها الولايات المتحدة من عثرات عظام القوم.
_______________
عن الجزبره










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية